الشيخ محمد رشيد رضا

145

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

صح هذا الوصف فيها - لفضلها على الذبح لان قاعدة شريعته انه لا يحرم على الناس الا ما فيه ضرر لأنفسهم أو غيرهم من الاحياء ، ومنه تعذيب الحيوان بالوقذ ونحوه . وأمور العادات في الاكل واللباس ليست مما يتعبد اللّه الناس تعبدا باقرارهم عليه ، وانما تكون أحكام العبادة بنصوص من الشارع تدل عليها ، ولا يعرف مراد الشارع وحكمته في مسألة من المسائل الا بفهم كل ما ورد فيها بجملته . ولو كان اقرار الناس على الشيء من العادات أو استئناف الشارع لها حجة على التعبد بها لوجب على المسلمين اتباع النبي ( ص ) في كيفية اكله وشربه ونومه ، بل هنالك ما هو أجدر بالوجوب كالتزام صفة مسجده وحينئذ يحرم فرشه ووضع السرج والمصابيح فيه . وقد تأملنا مجموع ما ورد في التذكية ففقهنا ان غرض الشارع منها اتقاء تعذيب الحيوان بقدر الاستطاعة فأجاز ما انهر الدم وما مراه أو أمراه أو أمرّه وهو دون انهره في معنى اخراجه أو إسالته ، وأمر بأن تحد الشفار وان لا يقطع شيء من بدن الحيوان قبل ان تزهق روحه ، وأجاز النحر والذبح حتى بالظرار اي بالحجارة المحددة وبالمرو اي الحجر الأبيض وقيل الذي تقدح منه النار ، وبشق العصا ، وهذا دون السكين غير المحدود بالشحذ ، ولكل وقت وحال ما يناسبهما ، فإذا تيسر الذبح بسكين حاد لا يعدل إلى ما دونه ، وإذا تيسر في الذبح إنهار الدم يكون أسهل على الحيوان وأقل إيلاما له فلا يعدل عنه إلى مثل طعن المتردية في ظهرها أو فخذها أو خزق المعراض وخدشه لأي عضو من البدن ، والرمي بالسهم للحيوان الكبير ذي الدم الغزير . روى احمد والشيخان وأصحاب السنن عن رافع ابن خديج قال كنا مع رسول اللّه ( ص ) في سفر فندّ بعير من إبل القوم ولم يكن معهم خيل فرماه رجل منهم بسهم فحبسه فقال رسول اللّه ( ص ) « ان لهذه البهائم أوبدا كأوابد الوحش فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا » ند البعير نفر ، وحبسه اثبته في مكانه إذ مات فيه برمية السهم . واستدل جمهور السلف بالحديث على جواز أكل ما رمي بالسهم فجرح في اي موضع من الجسد ولكن اشترطوا ان يكون وحشيا أو متوحشا أو نادا ، الا ان مالكا وشيخه ربيعة والليث وسعيد بن المسيب لم يجيزوا أكل المتوحش الا بتذكيته في حلقه أو لبته اي نحره « تفسير القرآن » « 19 » « الجزء السادس »